اسماعيل بن محمد القونوي
495
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
عن الاعتبار ضعيف من وجوه أما أولا فلأن المعنى إن كان كذلك لارتحلتا عن هذا الموضع لسقي الناس غنمهما أولا وأما ثانيا فلأن منعهما مواشيهم مع كمال ضعفهما وقلتهما وكثرة الناس وقوتهم مما لا يخطر ببال الذوق السقيم فضلا عن الطبع السليم وأما ثالثا فلأن قولهما : لا نسقي حتى يصدر الرعاء يرد هذا الاحتمال المرجوح وأما رابعا فلأن قوله تعالى : فَسَقى لَهُما [ القصص : 24 ] يدفع هذا الاحتمال لو سلم هذا في بادىء النظر ولا يحكم في أول الكلام إذا كان آخره مغيرا له وليت شعري كيف ذهل عن هذه المحذورات مع أنه منار التدقيق وعلم التحقيقات . قوله : ( تم دونه ) بنقطتين من التمام أي تم الكلام في الفعل دونه أي بدون المفعول وهذا تصريح باختيار مسلك الشيخين لما فيه من البراعة والبلاغة وفي بعض النسخ ثمة بالثاء المثلثة المفتوحة . قوله : ( وقرأ أبو عمرو وابن عامر يصدر أي ينصرف وقرىء الرعاء بالضم وهو اسم جمع كالرخال ) بضم الراء المهملة والخاء المعجمة وفي آخره لام جمع رخلة بكسر الراء وهي الأنثى من أولاد الضأن وقيل إنه جمع وقد مر الكلام في قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ [ البقرة : 8 ] الآية من سورة البقرة . قوله : ( وأبونا شيخ ) عطف على مقدر أي لا خدام لنا ولا راعي وأبونا شيخ وهذا أولى من كونه حالا . قوله : ( كبير السن لا يستطيع أن يخرج للسقي فيرسلنا اضطرارا ) كبير السن لم يذكر كبير الرتبة لأن المقام يقتضي ما ذكره ولذلك قال لا يستطيع أن يخرج الخ فيرسلنا « 1 » اضطرارا حكاية الحال الماضية أو للاستمرار أشار إلى أن أبونا شيخ كناية عما ذكر . قوله تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 24 ] فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) قوله : ( مواشيهما ) أي غنمهما لكن عبر بالمواشي ليناسب يسقون مواشيهم وهذا يؤيد رأي الشيخين . قوله : ( رحمة عليهما ) لما رأى من ضعفهما وكمال عفتهما لا لغرض آخر . قوله : ( قيل كانت الرعاء يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال أو أكثر فأقله وحده مع ما كان به من الوصب والجوع وجراحة القدم ) قيل كانت الرعاء الخ قوله : فأقله وحده مع ما كان من الوصب والجوع أي أطاق حمله وحده من أقل الجرة أي أطاق حملها والوصب المرض والموصب بالتشديد الكثير الأوجاع قال الزمخشري فما أخطأت همته في دين اللّه تلك الفرصة مع ما كان به من النصب وسقوط خف القدم والجوع ولكنه رحمهما
--> ( 1 ) وبهذا يندفع ما يقال كيف بنبي اللّه شعيب أن يرضى لابنتيه لسقي المواشي فإن الضرورات تبيح المحظورات .